محمد بن محمد ابو شهبة

412

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وقالوا : إن الآية تشير إلى الإسراء والمعراج ، والرؤيا إنما تطلق على المنامية لا البصرية . وليس أدل على ردّ استدلالهم بهذه الآية من قول ابن عباس في تفسيرها : « هي رؤيا عين أريها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به ، والشجرة الملعونة شجرة الزقّوم » رواه البخاري في صحيحه « 1 » ، والترمذي ، والنسائي في سننهما . ومراد ابن عباس - برؤيا العين - جميع ما عاينه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به من العجائب السماوية والأرضية . وابن عباس هو حبر الأمة ، وترجمان القران ، ومن أعلم الناس بالعربية ، وكان إذا سئل عن لفظ من القران ذكر له شاهدا من كلام العرب ، فكلامه حجة في هذا ، والرؤيا كما تطلق على المنامية تطلق على البصرية أيضا . ومن شواهد ذلك من كلام العرب الذين يحتج بكلامهم قول الراعي يصف صائدا : وكبّر للرؤيا وهشّ فؤاده * وبشّر قلبا كان جما بلابله على أن بعض المفسرين يرى أن الآية نزلت عام الحديبية بسبب رؤيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه دخل المسجد الحرام ، وعلى هذا فلا تكون الآية دليلا لهم قط ، ولكن الصحيح هو الأول . وأيضا لو كان الإسراء والمعراج في المنام لم يكن فيهما شيء يستعظم ، ولما بادر كفار قريش إلى تكذيب الرسول والتعجب مما قال ، ولما ارتد بعض ضعفاء الإيمان « 2 » . إذ كثير من الناس يرون في منامهم مثل ذلك ، فيرى الرائي أنه ذهب إلى أقصى المعمورة ، أو صعد إلى السماء ، فاستبعادهم لذلك ومسارعتهم إلى تكذيب النبي عقب إخباره لهم من أظهر الأدلة على أنهم فهموا من إخبار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنهما كانا في اليقظة لا في المنام .

--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة بني إسرائيل ( الإسراء ) - باب وما جعلنا الرؤيا . . . ( 2 ) قلت : لم يثبت .